Ushul Fiqh

Objek Kajian Ushul Fiqh
Menurut Abdullah bin Umar al-Baidhawi, defenisi Ushul Fiqh dapat dipaparkan tiga masalah pokok yang akan dibahas dalam Ushul Fiqh, yaitu tentang sumber dan dalil hukum, tentang metode istinbat dan tentang ijtihad. Kajian tentang hukum (al-hukm) oleh abdullah bin Umar al-Baidhawi diletakkan pada bagian pendahuluan. Sedangkan Imam abu Hamid al-Ghazali (450-505 H), ahli Ushul Fiqh dari mazhab Syafi’iyah meletakkan pembahasan tentang hukum bukan pada pendahuluan, melainkan pada bagian pertama dari masalah-masalah pokok yang akan dibahas dalam Ushul Fiqh. Berpegang kepada pendapat al-Ghazali tersebut, maka objek bahasan Ushul Fiqh menjadi 4 (empat) bagian, yaitu :
(1) Pembahasan tentang hukum syara’ dan yang berhubungan dengannya, seperti hakim, mahkum fih dan mahkum ‘alaih,
(2) Pembahasan tentang sumber-sumber dan dalil-dalil hukum,
(3) Pembahasan tentang cara mengistinbatkan hukum dan sumber-sumber dan dalil-dalil itu, dan
(4) Pembahasan tentang ijtihad.
Secara global, muatan kajian Ushul fiqh seperti dijelaskan di atas menggambarkan objek bahasan Ushul Fiqh dalam berbagai literatur dan aliran, meskipun mungkin terdapat perbedaan tentang sistematika dan jumlah muatan dari masing-masing bagian tersebut.
Meskipun yang menjadi objek bahasan Ushul Fiqh ada empat seperti dikemukakan diatas, namun Wahbah az-Zuhaili dalam bukunya al-Wasith Fi Ushul al-Fiqh menjelaskan bahwa yang menjadi inti dari objek kajian Ushul Fiqh adalah tentang dua hal, yaitu dalil-dalil secara global dan tentang al-ahkam (hukum-hukum syara’). Selain dua hal tersebut dipaparkan, oeh ulama Ushul Fiqh hanya sebagai pelengkap.
Dalil-dalil syara’ dikaji dari segi tetapnya sifat-sifat esensialnya. Misalnya al-Quran adalah kitab suci dan menjadi sumber bagi ketetapan hukum syara’. Al-amr (perintah) yang terdapat di dalam Al Quran menunjukkan hukum wajib. Sebuah teks (nash) yang tegas menunjukkan pengertiannya secara pasti (qath’i). Lafal umum yang sudah ditakhshish sebagian cakupannya, sisanya berlalu secara tidak pasti (zhanni). Dalam contoh-contoh di atas, Al Quran dikaji dari segi kepastian pengertiannya menunjukkan hukum, teks (nash) yang tegas dikaji dari segi kepastian pengertiannya menunjukkan hukum, dan lafal umum yang sudah ditakshshish sebagian cakupannya dikaji dari segi ketidak pastian penunjukkannya terhadap sisa cakupan penngertiannya mengenai hukum.
Begitulah setiap teks ayat atau hadits dalam berbagai macam bentuk dan karakteristiknya dikaji sedemikian rupa sehingga akan membuahkan kesimpulan-kesimpulan yang dirumuskan dalam bentuk kaidah-kaidah umum. Kemudian, hukum syara’ dijelaskan secara panjang lebar, baik dari segi konsepnya maupun dari segi bagaimana ia bisa ditetapkan melalui dalil-dalil syara’. Dari sisi ini kelihatan hubungan erat antara hukum dan dalil-dalil syara’.
Dari keterangan di atas, jelaslah bahwa yang menajdi objek bahasan ushul fiqh adalah sifat-sifat esensial dari berbagai macam dalil dalam kaitannya dengan penetapan sebuah hukum dan sebaliknya, segi bagaimana tetapnya suatu hukum dengan dalil. Dalil-dalil atau kaidah-kaidah serta hukum itu dikemukakan secara global, tanpa masuk kepada rinciannya, karena rinciannya seperti dikemukakan sebelumnya dibahas dalam ilmu fikih oleh mujtahid.

Note: Trims kepada bung Hatta Syamsuddin, sebagian slide pengantar ushul fiqh diadopsi dari blog beliau. Jazakumullah khairal jaza`.

Download Kitab Ushul Fiqh al-Subki

علم أصول الفقه: هو العلم بالقواعد التي وضعت للوصول الی استنباط الأحكام الشرعية الفرعية العملية و موضوعاتها الشرعية أو الوظيفة العملية من أدلّتها التفصيلية.

موضوع علم الأصول

موضوع كل علم هو ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية. و موضوع علم الأصول هو الأدلة الكلية التي من شأنها أن تقع في طريق استنباط الأحكام الشرعية الفرعية أو الوظيفة العملية ، من أدلتها التفصيلية”.

تاريخ علم الأصول

من المعروف لدى العلماء بدون مجادل أن الإمام الشافعي رحمه الله يعتبر أول من دون في علم أصول الفقه والذي يدل على ذلك كتابه الذي بين أيدينا الآن وهو المعروف بالرسالة أما ما ادعاه الحنفية والشيعة من أن لهم السبق في تأليف هذا العلم مجرد كلام ليس عليه دليل بمعنى أنه لم يوجد عندهم مؤلف يجمع مباحث علم أصول الفقه كما هو معروف الآن ، وإنما ما وجد من مؤلفات علمائهم مجرد قواعد تخدم مذهبهم وليس لها علاقة بعلم أصول الفقه ومن أراد المزيد من المعلومات في هذا الموضوع فليس عندي مانع من سرد كثير من الحقائق التي تؤكد ما أقوله والله ولي التوفيق

آراء اخری في علم الأصول

علم أصول الفقه هو أحد العلوم الإسلامية الأصيلة ويقصد به العلم الذي يبحث في كيفية استنباط الاحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية –

فيهتم هذا العلم بدراسة الاحكام الشرعية وكذلك بالمجتهد الذي يقوم باستنباط هذه الاحكام وشروط الاجتهاد وكذلك بالقواعد الفقهية ذاتها واخيرا طرق الاستنباط لهذه الاحكام أول من كتب في هذا العلم الإمام الشافعي في كتابه المسمىالرسالة.

أصول الفقه: هو علم يُبحث فيه عن قواعد استنباط أحكام التشريع الإسلامي من أدلّتها.

ولأجل أن نستوضح معنى هذا التعريف كاملاً نكون بحاجة إلى إيضاح وشرح المفاهيم الثلاثة، التي اشتمل عليها التعريف، وهي: القواعد، والأحكام، والأدلّة.

القواعد: القاعدة: هي قضية كلّية تطبق على جزئياتها، لمعرفة أحكام الجزئيات.

تعريف الأحكام: الحكم: “هو التشريع الصادر من الله تعالى، لتنظيم حياة الإنسان”.

أقسام الحكم:

يقسم الحكم إلى ثلاثة أقسام، هي: التكليفي، و التخييري، والوضعي.

أولاً- الحكم التكليفي: وهو الوجوب والندب والحرمة والكراهة.

أ- الوجوب: وهو الإلزام بالفعل.

أقسام الوجوب:

ينقسم الوجوب بتقسيمات مختلفة إلى الأقسام التالية:

أولاً- يقسم إلى العيني والكفائي:

1- الوجوب العيني: وهو الوجوب الذي يطلب امتثاله من كل مكلف، ولا يسقط عنه بامتثال الآخرين، كالصلاة والصوم.

2- الوجوب الكفائي: وهو الوجوب الذي يطلب امتثاله من عامة المكلفين، ويسقط بامتثاله بعضهم له، كالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.

وثانياً: يقسم إلى التعييني والتخييري:

1- الوجوب التعييني: “هو الوجوب الذي يتعلق بفعل بعينه، ولا يرخّص في تركه إلى بدل”، كصوم شهر رمضان.

2- الوجوب التخييري: “وهو الوجوب الذي يتعلق بأحد الشيئين أو الأشياء على البدل”، كخصال كفارة إفطار يوم من شهر رمضان تعمداً، حيث يتخير المكلف بين عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكيناً.

وثالثاً: يقسم إلى المؤقت وغير المؤقت:

1- الوجوب المؤقت: وهو الوجوب الذي يطلب امتثاله في وقت معين.

وينقسم الوجوب المؤقت إلى قسمين، هما: المضيق والموسع.

أ- المضيّق: وهو الوجوب المؤقت الذي يطلب امتثاله في زمان بمقداره، كصوم نهار شهر رمضان.

ب- الموسع: وهو الوجوب المؤقت الذي يتطلب امتثاله في زمان أوسع منه، كالصلاة اليومية.

2- الوجوب غير المؤقت: وهو الوجوب الذي يطلب امتثاله من غير توقيت بزمن معيّن، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ورابعاً: يقسم إلى المطلق والمقيّد:

1- الوجوب المطلق: وهو الوجوب الذي لم يقيّد تحققه بشيء.

ويقسم الوجوب المطلق إلى قسمين، هما: المنجز والمعلق:

المنجز: “وهو ما كان مخلّى عن القيد الزماني وجوباً وواجباً”، كالصلاة بعد دخول وقته، وهو عكس المعلق.

2- الوجوب المقيد، ويسمى بالمشروط أيضاً: وهو الوجوب الذي يقيّد تحقّقه بشيء، كالحج المشروط بالاستطاعة.

وخامساً: يقسّم إلى المحدّد وغير المحدّد:

1- الوجوب المحدّد: وهو الوجوب المحدّد بمقدار معيّن، ويطلب امتثاله بالمقدار المحدّد له، كدفع ضريبة الزكاة كاملة، الإتيان بصلاة الصبح ركعتين.

2- الوجوب غير المحدد: وهو الوجوب الذي لم يحدّد بمقدار معيّن، كالعدل والاحسان.

ب- الندب: وهو الدعوة إلى الفعل من غير إلزام.

ج- الحرمة: وهو الإلزام بالترك، كشرب الخمر.

د- الكراهة: وهي الدعوة إلى الترك من غير إلزام.

ثانياً- الحكم التخييري: وهو الإباحة: وهي التخيير بين الفعل والترك من دون ترجيح.

ثالثاً- الحكم الوضعي: وهو “الاعتبار الشرعي الذي لا يتضمن الاقتضاء والتخيير”، كاعتبار شيء سبباً أو شرطاً أو مانعاً لشيء آخر، كاعتبار الاستطاعة شرطاً لوجوب الحج بقوله تعالى:”ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً”.

ثالثا:الأدلّة: تعريف الدليل:

الدليل: هو ما يستنبط منه الحكم من أمثال: الكتاب والسنة والاجماع والآثار والقياس.

القرآن الكريم:

هو كلام الله تعالى القديم، المنزل على محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، المُتَعَبَّد بتلاوته، المبتدأ بـ بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والمختتم بسورة الناس. والقرآن الكريم هو وحي من الله تعالى للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم باللفظ والمعنى.

السنة الشريفة:

وهي كل ما نقل عن النبي صلى الله عليه و سلم من قول أو فعل أو تقرير. وتُعَدُّ في المنزلة الثانية بعد القرآن الكريم، شريطة أن تكون ثابتة عن الرسول صلى الله عليه وسلم بسند صحيح، والعمل بها واجب، وهي ضرورية لفهم القرآن و العمل به.

الاجماع:

هو اتفاق جميع العلماء المجتهدين من أمة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم في عصر من العصور على حكم شرعي، فإذا اتفق هؤلاء العلماء – سواء كانوا في عصر الصحابة أو بعدهم – على حكم من الأحكام الشرعية كان اتفاقهم هذا إجماعاً وكان العمل بما أجمعوا عليه واجباً. ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن علماء المسلمين لا يجتمعون على ضلالة، فما اتفقوا عليه كان حقاً.

آثار الصحابة:

اتفق الأئمة من أصحاب المذاهب الفقهية لأهل السنة ، على أنه لا خلاف في الأخذ بقول الصحابى فيما لا مجال للرأي والاجتهاد فيه، لأنه من قبيل الخبر التوقيفى عن صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم ، ولا خلاف أيضا فيما أجمع عليه الصحابة صراحة أو كان مما لايعرف له مخالف ، كما في توريث الجدات السدس. ولا خلاف أيضا في أن قول الصحابي المقول باجتهاد ليس بحجة على صحابى آخر، لأن الصحابة اختلفوا في كثير من المسائل ، ولو كان قول أحدهما حجة على غيره لما وقع منهم هذا الخلاف.

العقل :

اتفق علماء الشیعة کافة و الإمام الشافعي في کتابه “المستصفی” علی اعتبار العقل في استنباط الأحکام الشرعية فيما لايوجد نص علی الحکم الشرعي. و لکنهم اختلفوا في نوعية هذا الدليل العقلي و سعة دائرة اعتباره.

القياس:

و هو حجة عند المذاهب الفقهية لأهل السنة ما عدا أهل الظاهر و یرفضه علماء الإمامية أيضا ، وهو إلحاق أمر ليس فيه حكم شرعي بآخر منصوص على حكمه لاتحاد العلة بينهما. وهذا القياس نرجع إليه إذا لم نجد نصاً على حكم مسألة من المسائل في القرآن ولا في السنة ولا في الإجماع. فالقياس إذاً في المرتبة الرابعة من حيث الرجوع إليه.

المصادر

تعريف المصلحة المرسلة

والمصلحة المرسلة كلمة مركَّبة من موصوف وصفة: فالموصوف هو المصلحة، والصفة هي المرسلة.

ومعنى (المصلحة): كلُّ مافيه صلاح ونفع للخلق في دنياهم أو في دينهم، وبتعبير الفقهاء: في معاشهم أو في معادهم، سواء كانت مصلحة فردية أم جماعية، مادية أم معنوية، آنية أم مستقبلية.

ومعنى (المرسلة): أي المطلقة غير المقيَّدة، ونعني بها: المصلحة التي لم يدل دليل خاصٌّ من نصوص الشرع على اعتبارها ولا على إلغائها[1][1]. فهي مطلقة من الاعتبار أو الإلغاء.

وإنما قام الدليل، بل الأدلَّة العامة على أن الشرع يراعي مصالح الخلق، ويقصد إليها في كلِّ ما شرع من أحكام، كما يقصد رفع الضرر والفساد عنهم، ماديًّا كان أو رُوحيًّا، واقعا كان أو متوقَّعا.

عُرف هذا بتتبُّع تعليلات الشرع في نصوصه، وباستقراء أحكامه الجزئية.

والفقهاء والأئمة مختلفون في الاحتجاج بالمصلحة المرسلة، واعتبارها دليلا شرعيا، يُبنى عليها الحكم فى الفتوي أو القضاء أو التشريع.

وأكثر الأئمة أخذا بهذا هو الإمام مالك رضي الله عنه، وأصحابه وأتباع مذهبه.

ثم الحنابلة أيضا أكثروا من الأخذ بالمصالح واعتبارها، كما يبدو ذلك في التراث الفقه الحنبلي، وخصوصا عند الإمامين ابن تيمية وابن القيم، وإن لم يسمِّياها (مصلحة مرسلة). ثم يأتي بعد ذلك الحنفية، وإن كان الشائع في كتبهم الأخذ بالاستحسان، وهو لون من اعتبار المصالح.

وأضيق المذاهب في الأخذ بالمصلحة هو مذهب الشافعية، وإن لم يخلُ من القول أو التعليل بها في بعض المسائل.

الغزالي والمصلحة:

ولعل الإمام الغزالي- وهو شافعي – هو أول أصولي خصَّ (الاستصلاح) أو (المصلحة المرسلة) بحديث مفصَّل وذلك في كتابه (المستصفى) فعرَّف المصلحة وأنواعها ومستوياتها، وموقف العلماء منها، على الرغم من اعتبارها عنده من (الأصول الموهومة)، مثل الاستحسان، وقول الصحابي، وشرع مَن قبلنا.

ملاحظتان حول تعريف الغزالي للمصلحة:

حاول الغزالي أن يضع ضابطا شرعيا مهمًّا للمصلحة، يحدِّد معناها، وقد أحسن في ذلك، فلم يكتفِ بمعناها اللغوي، بل ربطها بـ(المحافظة على مقصود الشرع)، وبيَّن أن مقصود الشرع هو حفظ الكليَّات الخمس، فكلُّ ما يتضمَّن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة. وحفظ هذه الخمسة واقع في رتبة الضروريات، فهي أقوى المراتب في المصالح.

وهنا نجد أن كلامه يُفهم أن المصلحة مقصورة على حفظ هذه الضوريات الخمس، فأين هذا من موقع الحاجيات والتحسينات حسب تقسيمه نفسه، وكلُّها داخل في المصالح المراعاة شرعا في حياة الناس؟ فهو يريد بهم اليسر، والتخفيف، ودفع الحرج، والهداية إلى أقوم المناهج في الآداب والأخلاق، والنظم والمعاملات، مما يدخل في المصالح الحاجية والتحسينية.

هذه هي الملاحظة الأولى.

أما الملاحظة الثانية، فهي حصر الضروريات في هذه الخمس، وأرى أن هناك ضروريات أخرى راعتها الشريعة وقصدت إليها، مثل حفظ العِرض، وتحقيق الأمن، والعدل، والتكافل، ورعاية الحقوق والحريات العامة، وإقامة أمة وسط.

ولو كان لي أن أضيف إلى تعريف الغزالي للمصلحة، لقلتُ مستخدما أصل عبارته:

نعني بالمصلحة: المحافظة على مقصود الشرع، ومقصود الشرع من الخلق: أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم وعرضهم وأمنهم وحقوقهم وحرياتهم، وإقامة العدل والتكافل في أمة نموذجية، وكل ما ييسِّر عليهم حياتهم، ويرفع الحرج عنهم، ويتمِّم لهم مكارم الأخلاق، ويهديهم إلى التي هي أقوم في الآداب والأعراف والنظم والمعاملات.

وأحسب أن إمامنا الغزالي لا يمانع في هذه الإضافة، فهي تتَّفق مع هدفه في ربط المصلحة بمقاصد الشرع، وما ذكرناه يدخل في ذلك بلا ريب.

تنبيهان آخران:

وهناك تنبيهان آخران ذكرهما الدكتور حسين حامد حسان في رسالته القيِّمة: (نظرية المصلحة في الفقه الإسلامي):

الأول: أن المصلحة في الأصل – ويعني به العرف أو اللغة – جلب النفع ودفع الضرر، وهذا يتفق مع معنى المصلحة لغة، إذ هي تطلق في اللغة على جلب المنفعة مجازا كما تطلق على المنفعة نفسها حقيقة، ولما كانت المنفعة والمضرَّة نقيضين، كان دفع المضرَّة مصلحة أيضا.

والثاني: أن الغزالي لا يقصد بالمصلحة معناها العرفي، وإنما يقصد بها جلب نفع أو دفع ضرر مقصود للشارع، لا مطلق نفع أو ضرر. ومعنى هذا: أن الناس قد يعدُّون الأمر منفعة وهو في نظر الشارع مفسدة، وبالعكس، فليس هناك تلازم بين المصلحة والمفسدة في عرف الناس، وبينهما في عرف الشارع، أو بعبارة أخرى فإن المصلحة في نظره هي المحافظة على مقاصد الشارع ولو خالفت مقاصد الناس، فإن الأخيرة عند مخالفتها للأولى ليست في الواقع مصالح، بل أهواء وشهوات زيَّنتها النفس، وألبستها العادات والتقاليد ثوب المصالح. فقد كان أهل الجاهلية في العرب يرون المصلحة في وأد البنات، وحرمان الإناث من الإرث، وقتل غير القاتل، وما كانوا يعتقدون أن في شرب الخمر ولعب الميسر واتِّخاذ الأخدان، ونسبة الولد إلى غير أبيه مفسدة.

والقانون الروماني في أوج عظمته، كان يجيز للدائن أن يسترقَّ مدينه في الدين، وإذا كان هناك أكثر من دائن، ولم يوجد مَن يرغب في شراء المدين، فإن القانون أعطى للدائنين حقَّ اقتسام جثَّة المدين! وما كان أحد في روما يرى أن في هذا الحكم مفسدة، حتى جاء الإسلام بمبدئه العادل: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة:280].

والقانون الإنجليزي ظلَّ قرابة عشرة قرون يرى أن المصلحة في حرمان الإناث من الميراث، واستقلال الابن الأكبر بالتركة، وأن الميراث كحجر إذا أُلقي ينزل إلى أسفل، ولا يصعد إلى أعلى، ومن ثمَّ فما كانوا يتصوَّرون أن الأصول يأخذون نصيبا من الميراث[2][2].

ولا زال القانون الأمريكي يرى أن المصلحة في إطلاق حرية الموصي، ولو أدَّى ذلك إلى أن يوصي الشخص بكلِّ ثروته إلى خليلته تاركا ورثته عالة يتكفَّفون الناس؛ ولقد بدأ رجال الفقه والقضاء وعامَّة الشعب يحسُّون الخطورة والمفاسد التي تترتَّب على ترك هذه الحرية دون قيود.

وآخر مثل لعرض الأهواء والشهوات في ثوب المصالح: القانون الذي أقرَّه مجلس العموم واللوردات الإنجليزي، وهو يجعل اللواط عملا مشروعا لا ضرر فيه على الفرد ولا على الجماعة[3][3].

وكان العرب في الجاهلية يعتبرون من المصلحة المرعية: شرب الخمر، ولعب الميسر، وأكل الربا، والعصبية للقبيلة في الحقِّ والباطل، وحرمان الإناث والصغار من الميراث، وقتل الأولاد من إملاق أو خشية إملاق، واعتبار ميلاد البنت كارثة قد تنتهي بوأدها، ووراثة الرجل امرأة أبيه من بعده … إلى غير ذلك مما أبطله الإسلام.

من أجل هذا حرص الغزالي رحمه الله على التفرقة في تعريف المصلحة بين مقاصد الخلق ومقاصد الشارع. وقرَّر أن المحافظة على الثانية، وإن خالفت الأولى هي المصلحة الشرعية[4][4].

اعتبار الصحابة للمصلحة:

وكان الصحابة – وهم أفقه الناس لهذه الشريعة – أكثر الناس استعمالا للمصلحة واستنادا إليها، فهذه المصلحة هي التي جعلت أبا بكر يجمع الصحف المفرَّقة – التي كان القرآن مدوَّنا فيها من قبل – في مصحف واحد، وهو أمر لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا توقَّف فيه أول الأمر، ثم أقدم عليه بنصيحة عمر، لما رأى فيه من خير ومصلحة الإسلام.

وجعلته يستخلف عمر قبل موته مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك.

وهي التي وجَّهت عمر إلى وضع الخراج، وتدوين الدواوين، وتمصير الأمصار، واتِّخاذ السجون، والتعزير بعقوبات شتَّى، مثل إراقة اللبن المغشوش، ومشاطرة الولاة أموالهم إذا تاجروا أثناء ولايتهم. وهي التي جعلته يتَّخذ قرارات يرى المصلحة فيها، مثل: عدم تغيُّب رجل في الجيش أكثر من أربعة أشهر عن أهله، وفرض العطاء لكلِّ مولود في الإسلام، وجعل الشورى في سبعة من كبار الصحابة الذين توفِّي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ.

وهي التي جعلت عثمان يجمع المسلمين على مصحف واحد، ينشره في الآفاق، ويحرق ما عداه، على ملأ من الصحابة وموافقة منهم، ويقضي بميراث زوجة مَن طلَّقها زوجها في مرض الموت فرارا من إرثها.

وهي التي جعلت عليًّا يأمر أبا الأسود الدؤلي بوضع مبادئ علم النحو، بعد أن دخل اللحن في العربية على ألسنة الناس، حين اختلط الأعاجم بالعرب، ويضمِّن الصناع ما يكون بأيديهم من أموال، إذا لم يقدِّموا بيِّنة على أن ما هلك إنما هلك بغير سبب منهم قائلا: (لا يصلح الناس إلا ذاك)[5][5].

وهي التي استند إليها معاذ بن جبل في أخذ الثياب اليمنية بدل (العين) من زكاة الحبوب والثمار قائلا: ايتوني بخميس أو لبيس (منسوجات محلية) آخذه منكم مكان الذرة والشعير، فإنه أهون عليكم وأنفع للفقراء بالمدينة[6][6].

واستند إليها معاوية في أخذه مُدَّين (أي نصف صاع) من القمح في زكاة الفطر في مقابل صاع من التمر، وأقرَّه الصحابة الذين كانوا في زمنه ما عدا أبا سعيد الخدري رضي الله عنهم[7][7].

وهي التي جعلت مَن بعد الراشدين يتَّخذون البريد، ويُعرِّبون الدواوين، ويضربون النقود … إلى غير ذلك من أعمال الدولة، دون أن يعترض عليهم أحد من الأمة.

مدى اعتبار المصلحة في المذاهب المتبوعة:

وهي التي جعلت الإمام أبا حنيفة يوجب الحجر على المفتي الماجن، (أي المتلاعب بالشريعة)، والطبيب الجاهل، والمكاري (المقاول ونحوه) المفلس، مع أن مذهبه – رضي الله عنه – عدم الحجر على العاقل البالغ وإن كان سفيها، احتراما لآدميته.

ولكن حجر على هؤلاء منعا لضرر الجماهير من الناس[8][8].

وهي التي جعلت كثيرا من المالكية وغيرهم يفتون بشرعية فرض الضرائب على القادرين إذا اقتضى ذلك الدفاع عن الحوزة، ولم يكن في بيت المال ما يكفي[9][9].

وجعلت جمهور الفقهاء يقولون بجواز قتل المسلم إذا تترَّس به الكفار، ولم يكن من قتالهم بدٌّ[10][10].

وأجاز فقهاء الحنفية والشافعية وجماعة من المالكية وبعض الحنابلة: شقَّ بطن الأم بعد موتها لإخراج الجنين، إذا غلب على الظنِّ أنه سيخرج حيًّا، برغم حرمة الميت المرعية شرعا، بل أوجب بعض الفقهاء ذلك، لأنه استبقاء حيٍّ بإتلاف جزء من الميت، وشبَّهه صاحب (المهذَّب) من الشافعية بما لو وقعت مجاعة واضطر إلى أكل جزء من الميت[11][11]، وذلك لأن حقَّ الحيِّ مقدَّم على حقِّ الميت عند التعارض، ومصلحة إنقاذ حياة الجنين تفوق مفسدة انتهاك حرمه أمه، فيُرتكَب أخفُّ الضررين، ويفوَّت أدنى المصلحتين[12][12].

اختلاف المذاهب الأربعة في الاستدلال بالمصلحة المرسلة:

ومن الفقهاء مَن أنكر اعتبار (الاستصلاح) أصلا مستقلاًّ يُحتجُّ به، ويُستند إليه في الفتوى والقضاء والتشريع، كالنصِّ والإجماع والقياس، وذلك مثل الإمام الغزالي، الذي اعتبر الاستصلاح من (الأصول الموهومة) على حدِّ تعبيره.

ومع هذا ذكر عددا من المسائل والقضايا مال فيها – أو في أكثرها – إلى القول بالمصالح، وكان المفهوم بعدها أن يُلحق هذا بالأصول الصحيحة ليصير أصلا خاصًّا برأسه.

وقد اعترض بذلك على نفسه ثم أجاب بقوله:

(مَن ظنَّ أنه أصل بنفسه فقد أخطأ، لأنا رددنا المصلحة إلى حفظ مقاصد الشرع، ومقاصد الشرع تُعرف بالكتاب والسنة والإجماع، فكل مصلحة لا ترجع إلى حفظ مقصود، فُهِمَ من الكتاب والسنة والأجماع، وكانت من المصالح الغريبة، التي لا تلائم تصرُّفات الشرع، فهي باطلة مُطَّرحة، ومَن صار إليها فقد شرَّع، كما أنَّ  من استحسن فقد شرَّع، وكلُّ مصلحة رجعت إلى حفظ مقصود شرعي، عُلِم كونه مقصودا بالكتاب والسنة والإجماع، فليس خارجا من هذه الأصول، ولكنه لا يسمَّى قياسا، بل مصلحة مرسلة، إذ القياس أصل معيَّن، وكون هذه المعاني مقصودة عُرفت لا بدليل واحد، بل بأدلَّة كثيرة لا حصر لها، أن الكتاب والسنة، وقرائن الأحوال، وتفاريق الأمارات، تسمَّى بذلك: مصلحة مرسلة).

قال: (وإذا فسَّرنا المصلحة بالمحافظة على مقصود الشرع فلا وجه للخلاف فيها، بل يجب القطع بكونها حجَّة.

وحيث ذكرنا خلافا، فذلك عند تعارض مصلحتين ومقصودين، عند ذلك يجب ترجيح الأقوى)[13][13].

القرافي والمصلحة:

وقد شاع أن الاستدلال بالمصلحة المرسلة خاصٌّ بمذهب المالكية، ولكن الإمام شهاب الدين القرافي المالكي (ت684هـ) يقول ردًّا على مَن نقلوا اختصاصها بالمالكية.

(وإذا افتقدت المذاهب وجدتهم إذا قاسوا أو جمعوا أو فرَّقوا بين المسألتين لا يطلبون شاهدا بالاعتبار لذلك المعنى الذي جمعوا أو فرَّقوا، بل يكتفون بمطلق المناسبة، وهذا هو المصلحة المرسلة، فهي حينئذ في جميع المذاهب)[14][14].

وهذا هو التحقيق، فالذي يطالع كتب المذاهب الأخرى يجد فيها عشرات ومئات من المسائل إنما يعلِّلونها بتعليلات مصلحية، وإن كان الحنفية والحنابلة أكثر من الشافعية في ذلك.

ويذكر القرافي: أن إمام الحرمين – عبد الملك بن عبد الله الجويني (ت478هـ) قرَّر في في كتابه المسمَّى بـ(الغياثي) أمورا وجوَّزها وأفتى بها – والمالكية بعيدون عنها – وجسر عليها، وقالها للمصلحة المطلقة، وكذلك الغزالي في (شفاء العليل) مع أن الاثنين شديدا الإنكار علينا – يعني المالكية – في المصلحة المرسلة[15][15].

وإمام الحرمين والغزالي شافعيان.

تضييق الغزالي في المستصفى:

ولكن الغزالي – كما نقلنا عنه في (المستصفى) – ضيَّق في الأخذ بالمصلحة المرسلة، واشترط لها شروطا صعبة التحقيق وهي:

أن تكون ضرورية:

أي من الضروريات الخمس المعروفة، فإذا كانت في مرتبة الحاجيات أو التتمَّات والتحسينات لا تُعتبر.

أن تكون كُلية:

أي تعم جميع المسلمين، بخلاف ما لو كانت لبعض الناس دون بعض أو في حالة مخصوصة.

أن تكون قطعية أو قريبا من القطعية[16][16]:

ويبدو للمتأمِّل أن الغزالي لم يشترط هذه الشروط لكلِّ مصلحة، ولكن اشتراطها في المثال الذي ذكره، وهو: تترُّس الأعداء بالمسلمين في الحرب، وإن فَهِم الأكثرون منه أنه شرط عامٌّ لكلِّ المصالح.

قال القرطبي: (هي بهذه القيود لا ينبغي أن يُختلف في اعتبارها، وأما ابن المنيِّر فعدَّ ذلك تحكُّما من قائله)[17][17].

والذي يظهر من عمل الصحابة رضي الله عنهم، أنهم لم يكونوا يلتزمون هذه الشروط كلَّها، وإنما يراعون المصلحة، وإن كانت جزئية أو حاجية أو ظنية.

فعمر يحكم بطلاق امرأة المفقود بعد مضيِّ أربع سنوات – إما من حين فقده، أو من حين رفع أمرها إلى القضاء – رعاية لمصلحة الزوجة، ورفعا للضرر عنها، وإن لم يثبت موت زوجها، وهي مصلحة جزئية وحاجية وظنية، وقد وافق عمر على ذلك عثمان وعلي وابن عمر وابن عباس وجماعة من التابعين[18][18].

ويقضي عمر على محمد بن مسلمة الأنصاري بالسماح لجاره – الضحاك بن قيس – أن يسوق نهرا في أرض ابن مسلمة؛ لأن النهر ينفع جاره، ولا يضرُّ محمدا، وقد كان محمد بن مسلمة منع جاره من ذلك، فقال له جاره: أنت تمنعني ما هو لك منفعة؟ تسقي منه أولا وآخرا، ولا يضرُّك، ولما اختصما إلى عمر قال لمحمد: تمنع أخاك ما ينفعه ولا يضرك؟! فأصرَّ محمد على المنع، فقال عمر: والله ليمرَّن به ولو على بطنك! ثم أمر عمر الضحاك أن يمرَّ بنهره في أرض محمد، ففعل[19][19].

والأمثلة كثيرة على هذا الاتجاه من عمل الصحابة والراشدين.

الشاطبي والمصلحة:

ولهذا لم يشترط الإمام الشاطبي ما اشترطه الإمام الغزالي، وإنما اعتبر أمورا ثلاثة يجب مراعاتها عند الأخذ بالمصلحة وهي:

أن تكون معقولة في ذاتها:

بحيث إذا عُرضت على العقول تلقَّتها بالقَبول، فلا مدخل لها في الأمور التعبُّدية، فإن الأصل فيها أن تُؤخذ بالتسليم.

أن تكون ملائمة لمقاصد الشرع في الجملة:

بحيث لا تُنافي أصلا من أصوله، ولا دليلا من أدلَّته القطعية، بل تكون متَّفقة مع المصالح التي قصد الشرع إلى تحصيلها، بأن تكون متَّفقة مع المصالح التي قصد الشرع إلى تحصيلها، بأن تكون من جنسها أو قريبة منها، ليست غريبة عنها وإن لم يشهد دليل خاصٌّ باعتبارها.

أن ترجع إلى حفظ أمر ضروري، أو رفع حرج لازم في الدين:

فأما مرجعها إلى حفظ الضروري، فهو من باب ما لا يتمُّ الواجب إلا به، فهي إذن من الوسائل لا المقاصد.

وأما رجوعها إلى رفع حرج لازم: فهو إما لاحق بالضروري، وإما الحاجي، الذي مردُّه إلى التخفيف والتيسير[20][20].

وليس من اللازم أن تكون كلية عامة، فرعاية مصالح الأفراد، والفئات المختلفة، أمر معتبر في الشريعة.

وليس من اللازم أن تكون قطعية، فالعمل بالظنِّ الراجح أمر معمول به في الأحكام الفرعية، وناط به الشرع أمورا كثيرة.

ضرورة أن تكون المصلحة حقيقية:

والأمر المهم الذي ينبغي الالتفات إليه، والاحتياط فيه: أن تكون المصلحة حقيقية لا وهمية، فقد يخيِّل الهوى والشهوة، أو الوهم وسوء التصوُّر، أو الإلف والعادة، لبعض الناس: أن عملا ما مصلحة، وهو في حقيقته مفسدة، أو أن ضرره أكبر من نفعه، فكثيرا ما يُغفِل الناس المصلحة العامة لأجل المنفعة الخاصة، أو يغفلون عن الضرر الآجل من أجل النفع العاجل، أو يغفلون الخسارة المعنوية من أجل الكسب المادي، أو يتغاضون عن المفاسد الكبيرة من أجل مصلحة صغيرة، فالاعتبارات الشخصية والوقتية والمحلية والمادية لها ضغطها وتأثيرها على تفكير البشر، لهذا يجب الاحتياط والتحرِّي عند النظر في المصالح وتقويمها تقويما سليما عادلا.

قال الإمام ابن دقيق العيد: (لستُ أُنكر على مَن اعتبر أصل المصالح، ولكن الاسترسال فيها وتحقيقها يحتاج إلى نظر سديد)[21][21].

تغيُّر الأحكام المبنية على المصلحة:

وينبغي أن نشير هنا إلى حقيقة هامة وهي: أن الأحكام المبنية على مصلحة معينة، تظلُّ معتبرة ما بقيت هذه المصلحة، التي هي مناط الحكم وعلَّته، فإذا انتفت وجب أن يتغيِّر الحكم تبعا لها، لأن الحكم يدور مع علَّته وجودا وعدما.

ومن أمثلة ذلك: العقوبات التعزيرية، والأحكام التي تقتضيها السياسة الشرعية الوقتية، التي رُويت عن الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة ومَن بعدهم، بل من ذلك بعض ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم نفسه.

وذلك مثل نهيه صلى الله عليه وسلم عن كتابة الحديث في أول الأمر، خشية اختلاطه بالقرآن، فلما زالت هذه الخشية أذِن في الكتابة لبعض الصحابة، وثبت عنه عدَّة كتب في موضوعات شتَّى.

ومثل إلزام عمر الصحابة أن ينقلوا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما اشتغلوا به عن القرآن سياسة منه.

ومثل ذلك: اختياره للناس الإفراد بالحجِّ، ليعتمروا في غير أشهر الحج، فلا يزال البيت الحرام مقصودا,

فإن هذا وأمثاله – كما قال ابن القيم – (سياسة جزئية بحسب المصلحة تختلف باختلاف الأزمنة، فظنَّها – مَن ظنَّها – شرائع عامة لازمة للأمة إلى يوم القيامة، ولكلٍّ عذر وأجر، ومن اجتهد في طاعة الله ورسوله فهو دائر بين الأجر والأجرين)[22][22].

وبناء الأحكام على المصالح الزمنية والبيئية من أسباب تغير الفتوى واختلافها باختلاف الأزمان والأماكن والأحوال كما هو مقرر في موضعه.

حاجة الناس في عصرنا:

ومما دعا هؤلاء العلماء إلى القول بالمصلحة المرسلة، هو: ما لمسوه من حاجة الناس في عصرنا إلى اعتبار المصالح في التشريع، وفي الفتوى، وفي القضاء. إلى جوار ما وجدوه من أدلة عامة في النصوص والقواعد والمقاصد الشرعية تؤيد الأخذ بالمصالح.

ومن أجل هذا ضمنت القوانية الحديثة أحكاما شتى كثيرة مناطها المصلحة، ولا شيء غيرها.

مثل اشتراط (توثيق عقد الزواج) بالجهة الرسمية وإلا لم تسمع المحاكم دعواه.

وكذلك توثيق عقود الملكية في دوائر الشهر العقاري، أو التسجيل العقاري.

وكذلك قوانين البناء، حيث تشترط إذن البلدية وغيرها.

ومثل ذلك: اشتراط الحصول على رخصة قيادة من إدارة المرور لمن يسوق سيارة أو مركبة بخارية، أو نحوها.

وكذلك: من يزاول مهنة كالطب والهندسة والصيدلة والمحاماة وغيرها، لا بد له من ترخيص بعد توافر الشروط المطلوبة في مزاولة المهنة.

وهناك قوانين كثيرة تكاد تكون مبنية على المصلحة، مثل قانون السير أو المرور.

وكذلك قانون العمل والعمال.

وحتى القوانين التي لها صلة بالشرع، فيها مواد غزيرة ووفيرة مربوطة بالمصلحة، مثل قانون تنظيم استعمال المخدرات: صناعة واتجارا واستعمالا.

ولعل من أهم ما نحتاج إليه في عصرنا: تقنين العقوبات التعزيرية، مثل عقوبة أكل الربا، أو بيع الميتة، أو لحم الخنزير، أو أخذ الرشوة، أو إعطائها، أو أكل مال اليتيم، أو منع الزكاة، أو ترك الصلاة، أو المجاهرة بالفطر في رمضان، أو معاكسة النساء في الطريق، أوخطفهن واغتصابهن، أو الاتجار في الأغذية الفاسدة والملوثة … إلى غير ذلك من الآفات والرذائل التي تنتشر في المجتمع، ولا تجد الردع الكافي، ويكتفى فيها بالوعظ والإرشاد، مع ما علم أن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.

وهناك مئات من المعاصي والمخالفات والمنكرات، التي نهى عنها الشرع، أو أمر بضدها، ولكنه لم يضع لها عقابا محددا، وتحتاج إلى تقنين.

وبالله التوفيق.



[1][1]– وهذه – كما يقول القرافي في الفروق (2/107) – أدنى رتب المصالح، بخلاف المصلحة التي شهدت لها أصول الشرع بالاعتبار، فهي أعلى وأقوى، ولذا لم يُختلف فيها.

[2][2]– وأخيرا وبعد أربعة عشر قرنا، أخذ الإنجليز بمبادئ الشريعة الإسلامية، فأشركوا الإناث في الإرث، وورَّثوا الابن الأصغر، وأصول الميت، وآخر قانون قرَّر هذا كان في سنة 1925م، وكان الحال كذلك في معظم الولايات الأمريكية ثم عدلت عنه، وهذا يدلُّنا على عظم الثروة التي بأيدينا، وأن المصلحة فيما جاء به التشريع الإسلامي، وإن بدا لبعض ضعاف الإيمان أن المصلحة في التخلِّي عنه إلى غيره. راجع في ذلك بحثا للدكتور حسين حامد حسان مقدما إلى جامعة نيويورك، معهد القانون المقارن عنوانه: (الورثة في الشريعة الإسلامية والقانون الإنجليزي)، حيث أثبتنا أن القانون الإنجليزي وصل في آخر تطوُّره وبعد أربعة عشر قرنا إلى ما بدأ به الإسلام. مجلة القانون والاقتصاد العدد (2) صـ36.

[3][3]– راجع الأهرام السنة (92) العدد (28918) في (12 فبراير 1966م)، فقد جاء فيه ما يلي: (وافق مجلس العموم البريطاني أمس على قانون باعتبار الشذوذ الجنسي عملا مشروعا بين البالغين، وقد تمَّت الموافقة بأغلبية 164 صوتا ضد 107 صوت، وقد استقبل الجالسون في شرفة الزوار الموافقة بالتصفيق).

[4][4]– انظر: نظرية المصلحة في الفقه الإسلامي 5 – 8.

[5][5]– انظر: تنقيح الفصول وشرحه للقرافي صـ198 – 199، ومصادر التشريع فيما لا نص فيه لخلاف صـ85 – 88.

[6][6]– انظر: كتابنا (فقه الزكاة) (2/803).

[7][7]– فقه الزكاة (2/932) وما بعدها.

[8][8]– قالوا لعموم ضرر الأول في الأديان، والثاني في الأبدان، والثالث في الأموال. انظر: الاختيار (4/96).

[9][9]– فقه الزكاة (2/986 – 987).

[10][10]– انظر: المهذب وشرحه المجموع (5/301، 302)، وحاشية الصاوي (1/205).

[11][11]– انظر: المهذب وشرحه (المجموع) (5/301 – 302)، وحاشية الصاوي (1/205).

[12][12]– أما عند الحنابلة فالمذهب عندهم تحريم شق البطن من أجل الحمل، لما فيه من هتك حرمة متيقنة، لإبقاء حياة موهومة. قالوا: إذ الغالب والظاهر أن الولد لا يعيش، واحتج أحمد بحديث: “كسر عظم الميت ككسر عظم الحي”، رواه أبو داود، ويجاب عنه بأن هذا في غير حالة الضرورة والمصلحة، على أن شق البطن ليس فيه كسر عظم. واختار بعض علماء المذهب جواز الشق إذا كان بالججنين حركة تظن بها حياته بعد شق البطن، فالحياة هنا مرجوة لا موهومة.

[13][13]– المستصفى (1/310، 311).

[14][14]– شرح تنقيح الفصول صـ171.

[15][15]– شرح تنقيح الفصول صـ199.

[16][16]– المستصفى (2/173).

[17][17]– إرشاد الفحول صـ226.

[18][18]– انظر: المحلى (10/164 – 175 طبعة الإمام مسألة رقم (1941).

[19][19]– بداية المجتهد (2/310)، مظبعة المعاهد نقلا عن (المدخل إلى علم أصول الفقه) للدكتور الدواليبي.

[20][20]– انظر: الاعتصام للشاطبي (2/129 135)، وعلم أصول الفقه للشيخ عبد الوهاب خلاف صـ84 – 88، طبعة الدار الكويتية، وكتاب مالك للشيخ أبو زهرة صـ391 – 431.

[21][21]– إرشاد الفحول صـ226.

[22][22]– الطرق الحكمية صـ16 – 18.

http://www.qaradawi.net/site/topics/article.asp?cu_no=2&item_no=7609&version=1&template_id=130&parent_id=17

Iklan

Tinggalkan Balasan

Isikan data di bawah atau klik salah satu ikon untuk log in:

Logo WordPress.com

You are commenting using your WordPress.com account. Logout / Ubah )

Gambar Twitter

You are commenting using your Twitter account. Logout / Ubah )

Foto Facebook

You are commenting using your Facebook account. Logout / Ubah )

Foto Google+

You are commenting using your Google+ account. Logout / Ubah )

Connecting to %s

%d blogger menyukai ini: